الشوكاني
282
فتح القدير
وسلم ، وإن كان الفاعل ضميرا يعود إلى العينين ، فالتقدير : مريدة زينة الحياة الدنيا ، وإسناده الإرادة إلى العينين مجاز ، وتوحيد الضمير للتلازم كقول الشاعر : لمن زحلوقة زل * بها العينان تنهل ( ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ) أي جعلناه غافلا بالختم عليه ، نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن طاعة من جعل الله قلبه غافلا عن ذكره كأولئك الذين طلبوا منه أن ينحي الفقراء عن مجلسه ، فإنهم طالبوا تنحية الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه وهم غافلون عن ذكر الله ، ومع هذا فهم ممن اتبع هواه وآثره على الحق فاختار الشرك على التوحيد ( وكان أمره فرطا ) أي متجاوزا عن حد الاعتدال ، من قولهم : فرس فرط إذا كان متقدما للخيل فهو على هذا من الإفراط وقيل هو من التفريط ، وهو التقصير والتضييع . قال الزجاج : ومن قدم العجز في أمره أضاعه وأهلكه ، ثم بين سبحانه لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم ما يقوله لأولئك الغافلين ، فقال ( وقل الحق من ربكم ) أي قل لهم : إن ما أوحي إليك وأمرت بتلاوته هو الحق الكائن من جهة الله ، لا من جهة غيره حتى يمكن فيه التبديل والتغيير ، وقيل المراد بالحق الصبر مع الفقراء . قال الزجاج : أي الذين أتيتكم به ( الحق من ربكم ) يعني لم آتكم به من قبل نفسي إنما أتيتكم به من الله ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) قيل هو من تمام القول الذي أمر رسوله أن يقوله ، والفاء لترتيب ما قبلها على ما بعدها ، ويجوز أن يكون من كلام الله سبحانه لا من القول الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وفيه تهديد شديد ، ويكون المعنى : قل لهم يا محمد الحق من ربكم وبعد أن تقول لهم هذا القول ، من شاء أن يؤمن بالله ويصدقك فليؤمن ، ومن شاء أن يكفر به ويكذبك فليكفر . ثم أكد الوعيد وشدده فقال ( إنا اعتدنا للظالمين ) أي أعددنا وهيأنا للظالمين الذين اختاروا الكفر بالله والجحد له والإنكار لأنبيائه نارا عظيمة ( أحاط بهم سرادقها ) أي اشتمل عليهم . والسرادق : واحد السرادقات . قال الجوهري : وهى التي تمد فوق صحن الدار ، وكل بيت من كرسف فهو سرادق ، ومنه قول رؤبة : يا حكم بن المنذر بن جارود * سرادق المجد عليك ممدود وقال الشاعر : هو المدخل النعمان بيتا سماؤه * صدور الفيول بعد بيت مسردق يقوله سلام بن جندل لما قتل ملك الفرس ملك العرب النعمان بن المنذر تحت أرجل الفيلة . وقال ابن الأعرابي : سرادقها سورها . وقال القتيبي : السرادق الحجرة التي تكون حول الفسطاط . والمعنى : أنه أحاط بالكفار سرادق النار على تشبيه ما يحيط بهم من النار بالسرادق المحيط بمن فيه ( وإن يستغيثوا ) من حر النار ( يغاثوا بماء كالمهل ) وهو الحديد المذاب . قال الزجاج : إنهم يغاثون بماء كالرصاص المذاب أو الصفر ، وقيل هو دردي الزيت . وقال أبو عبيدة والأخفش : هو كل ما أذيب من جواهر الأرض من حديد ورصاص ونحاس . وقيل هو ضرب من القطران . ثم وصف هذا الماء الذي يغاثون به بأنه ( يشوي الوجوه ) إذا قدم إليهم صارت وجوههم مشوية لحرارته ( بئس الشراب ) شرابهم هذا ( وساءت ) النار ( مرتفقا ) متكأ ، يقال ارتفقت : أي اتكأت ، وأصل الارتفاق نصب المرفق ، ويقال ارتفق الرجل : إذا نام على مرفقه ، وقال القتيبي : هو المجلس ، وقيل المجتمع ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) هذا شروع في وعد المؤمنين بعد الفراغ من وعيد الكافرين . والمعنى : إن الذين آمنوا بالحق الذي أوحي إليك وعملوا الصالحات من الأعمال ( إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا ) هذا خبر إن الذين